الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

288

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

الأعمال ، فلا يُكتشف أمره بسهولة ولا يتعرف أحد على دخيلة نفسه ومقصده إلا بطول تأمل وتفكير ، لأن ذلك من نوع الرياء الخفي الذي يستغلق على كثير من الناس ، فيقصد بطاعته الظاهرة توقير الناس له والثناء عليه في علمه وفضله ومسارعتهم إلى قضاء حوائجه والعمل على تلبية طلباته ومتطلبات حياته ، ويغضب على من يقصر في حقه ، لأنه يعتبر أن ذلك جهلًا بمقامه وإحباطاً لقدره الذي يستحقه ، فنفسه مغترة ، غرورة ، متكبرة ، متجبرة ، يشارك الله سبحانه وتعالى في جبروته وفي ملكوته ، وربما تطاولت نفسه وهذا حالها إلى التوعد والوعيد بعقوبة من يقصر في حقه بدعوى أنه قريب من الله تعالى وأن غيره عارف بقدره ، عالم بقربه من الله . وهذا الرياء الخفي يدخل إلى النفوس مثل دبيب النمل ولا يسلم منه إلا العارفون بالله الذين لا يخلصون إلا لله ولا يطيعون إلا الله ، فقد غاب نظرهم عن رؤية الناس بما أودعه الله في قلوبهم من نور اليقين ، فلا يطلبون من الناس مصلحة أو منفعة ولا يرجون منهم خدمة ولا يخشون منهم مضرة ، وإنما أعمالهم خالصة لله سبحانه وتعالى وإن كانت ظاهرة للناس أجمعين . فالطاعة هنا إنما هي ليست بإظهار التقوى والورع ، وإنما هي في الإخلاص والاجتهاد في تجنب الرياء عن القلب . لذلك فإن أصحاب الحقيقة يشاهدون نفوسهم إذا مالت إلى عبادة من العبادات ، ويخافون إذا رأوا في أنفسهم سعادة وحظاً وسروراً ، مما يقومون به من الطاعات فإذا ما وجدوا ذلك في نفوسهم تركوا هذا النوع من الطاعات والعبادات والمجاهدات ، ومثال ذلك أن بعض الصوفية وجد نفسه تبغي الخروج إلى الغزو وتأملها فوجدها ترجو لذاتها في هذا ، وعند ذلك استخار هذا العبد الصالح ربه أن يلهمه الحق والصواب ، فقال : يا ربي أرشدني إلى مقصد نفسي فإني أراني متهماً لها ؟ عند ذلك راجع نفسه وفتش عما فيها من آفات ، فإذا به يراها تريد السفر للغزو من أجل الراحة والاستقرار ، من تعب المجاهدات والرياضات إذ إنه كل يوم يقتلها مرات ومرات ، وذلك بمنعها عن شهواتها ، فقررت هذه النفس أن .